محمد بن جرير الطبري

164

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى " ح " ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله عز وجل : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال : عشيرته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي جند ينصرونه . وقوله : يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول : يمنعونه من عقاب الله وعذاب الله إذا عاقبه وعذبه . وقوله وَما كانَ مُنْتَصِراً يقول : ولم يكن ممتنعا من عذاب الله إذا عذبه ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَما كانَ مُنْتَصِراً أي ممتنعا . وقوله : هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ يقول عز ذكره : ثم وذلك حين حل عذاب الله بصاحب الجنتين في القيامة . واختلفت القراء في قراءة قوله : الْوَلايَةُ ، فقرأ بعض أهل المدينة والبصرة والكوفة هُنالِكَ الْوَلايَةُ بفتح الواو من الولاية ، يعنون بذلك هنا لك الموالاة لله ، كقول الله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وكقوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يذهبون بها إلى الولاية في الدين . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " هنا لك الولاية " بكسر الواو : من الملك والسلطان ، من قول القائل : وليت عمل كذا ، أو بلدة كذا أليه ولاية . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب ، قراءة من قرأ بكسر الواو ، وذلك أن الله عقب ذلك خبره عن ملكه وسلطانه ، وأن من أحل به نقمته يوم القيامة فلا ناصر له يومئذ ، فإتباع ذلك الخبر عن انفراده بالمملكة والسلطان أولى من الخبر عن الموالاة التي لم يجر لها ذكر ولا معنى ، لقول من قال : لا يسمى سلطان الله ولاية ، وإنما يسمى ذلك سلطان البشر ، لأن الولاية معناها أنه يلي أمر خلقه منفردا به دون جميع خلقه ، لا أنه يكون أميرا عليهم . واختلفوا أيضا في قراءة قوله الْحَقِّ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق خفضا ، على توجيهه إلى أنه من نعت الله ، وإلى أن معنى الكلام : هنا لك الولاية لله الحق ألوهيته ، لا الباطل بطول ألوهيته التي يدعونها المشركون بالله آلهة . وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض متأخري الكوفيين : " لله الحق " برفع الحق توجيها منهما إلى أنه من نعت الولاية ، ومعناه : هنا لك الولاية الحق ، لا الباطل لله وحده لا شريك له . وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب ، قراءة من قرأه خفضا على أنه من نعت الله ، وأن معناه ما وصفت على قراءة من قرأه كذلك . وقوله : هُوَ خَيْرٌ ثَواباً يقول عز ذكره : خير للمنيبين في العاجل والآجل ثوابا وَخَيْرٌ عُقْباً يقول : وخيرهم عاقبة في الآجل إذا صار إليه المطيع له ، العامل بما أمره الله ، والمنتهي عما نهاه الله عنه . والعقب هو العاقبة ، يقال : عاقبة أمر كذا وعقباه وعقبه ، وذلك آخره وما يصير إليه منتهاه . وقد اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة عُقْباً بضم العين وتسكين القاف . والقول في ذلك عندنا . أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ يقول عز ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واضرب لحياة هؤلاء المستكبرين الذين قالوا لك : اطرد عنك هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، إذا نحن جئناك الدنيا منهم مثلا ؛ يقول : شبها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ يقول : كمطر أنزلناه من السماء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ يقول : فاختلط بالماء نبات الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً يقول : فأصبح نبات الأرض يابسا متفتتا تَذْرُوهُ الرِّياحُ يقول تطيره الرياح وتفرقه ؛ يقال منه : ذرته الريح تذروه ذروا ، وذرته ذريا ، وأذرته تذريه إذراء ؛ كما قال الشاعر : فقلت له صوب ولا تجهدنه * فيذرك من أخرى القطاة فتزلق